الحسن الهمداني ( ابن الحائك )

19

الإكليل من أخبار اليمن وأنساب حمير

تهاوت السنون تهاوي الصخر من عل ، وطوى الموت بساط والدي البالغ من العمر ثلاثا وثمانين سنة ، وجاءت حوادث سنة 1363 ه فقذفتني مع كثير من الإخوان من مختلف اليمن إلى أتون سجن نافع ومنفى حجة . فقضيت بين جدرانه ثلاث سنوات ثم أفرج عني . فما مكثت غير عام كريتا أو كما تقول العامة « من البرق للبرق » حتى جاءت الطامة الكبرى والمحنة العظمى كارثة سنة 1367 ه ، التي أكلت الأخضر واليابس ، فكنت من وقودها وسابقي مجرميها ، وإني كما قال الأول : لم أكن من جناتها علم اللّه « م » * وإني بحرّها اليوم صال وطوحت بي الكارثة إلى غياهب سجن نافع الرهيب ومنفى حجة الخانق ، وما أثقل من معاد . فكيف بمن يعاد إلى عذاب الجحيم وعقاب أليم ، أنها لصورة تشمئز لها النفوس وتنخلع لها القلوب . وما أشد المصائب في إبانها ، وأعظم نكايتها في ابتداء أمرها . ولكنها كما قيل إن المصائب في أولها تتضخم وتبدو كبيرة ، فما تلبث أن تصغر وتتضائل فضمدنا جراحنا على دخن ، وتآسينا - فإن التآسي روح كل حزين - بكثير من المآسي المحزنة ، والمناظر المزعجة التي كانت تمرّ أسرابا تحت سمعنا وبصرنا وكأنها أشباح موتى نشروا من رمس . وقلت لها يا عزّ كل مصيبة * إذا وطنت يوما لها النفس ذلت وكانت تتضاعف آلامي وتتجسد مصائبي على وجه الخصوص حينما تضمني في وثاق واحد مع أخي وابن أبي الذي أشد به إزري إسماعيل بن علي الأكوع ، الذي كانت تواجهه محن كقطع الليل المظلم ، ومآس تدك لها العوالي وتخرّ لها الجبال هدّا . قضينا - في جلد وصبر وانتظار الموت البطيء أو الموتات المتكررة وعلى حافة القبور وبين الأهوال والمزعجات - سنة فصاعدا . وفي ذات مساء هبت نفحة من نفحات اللّه ونقلت مع رفاق سبعة ليلا من سجن نافع الموبوء إلى معقل قاهرة « حجة » الرحيب المتفتح الهواء والواسع الأرجاء وكأنما نقلنا من دركات الجحيم إلى درجات النعيم ، إذ تنسمنا الحياة وشممنا الريح وأبصرنا الشمس تطلع من مشرقها صافية بآياتها الفضية تجر وراءها النهار ونظرنا الأصيل والشمس حمراء دانية للغروب ، نسجها خيوطها الذهبية والأفق كأنه بالنجيع مضرج ، والليل ماض بحربته يهاجم فلول النهار في صمت وهدوء ، ويتراءى لنا البحر من غربها وكأنه صفحة فيروزجية أو سبيكة من العنبر واللازوردي ، ويبدو لنا جبل مسور من الشرق الجنوبي معصبا بالغيوم وكأنه كبير أناس في بجاد مزمّل ، أو خطيب يملي علينا وقائع الدهر وتراءت لنا الدنيا وكأنا ولدنا إليها وأبصرنا وكل شيء ضدّ « نافع » ، ولن أطيل الكلام ، فله موضع آخر ، والتقينا